الاثنين، 16 يناير، 2012

تواصل الأجيال

ربما من الغريب أن أتجاهل التعليق على أحداث مرت كثيرة في الفترة بين آخر مقال كتبته قبل حوالي الثلاثة أشهر واليوم وذلك مرجعه   لسببين أولهما  أن الأحداث أصبحت غير مفهومة و ثانيهما أن رأيي لن يزيد الحوار سوى صخبا .لذلك آثرت الصمت على الخوض في أمور ربما غيري أقدر مني في تفسيرها وقد حفظت رأيي لنفسي ولم ألزم غيري بما أراه.
وأخذت أفكر في أمر طالما شغلني وهو تواصل الأجيال في بلدي مصر. فما هو تواصل الأجيال حتى يمكننا الحديث عنه؟! تواصل الأجيال كما أراه هو أن تنتقل الثقافة غير المكتوبة لشعب ما من جيل أقدم إلى جيل أحدث والثقافة غير المكتوبة هنا هي العادات والتقاليد و الموروثات الثقافية المميزة لهذا الشعب وتشمل كل ما يدعو فرد ينتمي لشعب ما للشعور بالفخر أو الحزن أو حتى الأسف. لست لأدرى ما مدى صحة التعريف السابق علميا فهو من وجهة نظري الضيقة ولا أدري إن كان هناك من قام بتعريف هذا المصطلح ولكن أرى أنه يكفي لشرح وجهة نظري. وأرى أن عملية نقل الموروثات الثقافية غالبا تتم بشكل لا واعي أي أن يستمع الطفل لتجارب الأجداد فغالبا يكون الأباء مشغولون بكسب الرزق وأن يتبادل  الطفل هذه التجارب مع أقرانه من نفس المجتمع فالموروثات الثقافية ذاكرة جمعية للمجتمع والشعب.

تواصل الأجيال في مصر وخصوصا لمن ولد في الأربعين عاما الماضية يمر بمحنة كبيرة وبالتالى تنتقل هذه المحنة  التي سأسميها فجوة من هذا الجيل إلى من يليه من أجيال وهكذا دواليك صحيح إن تغيرت الظروف المؤدية لحدوث هذه الفجوة ستضيق حتى تختفي  بعد عدة أجيال لكن ستكون الموروثات المنتقلة بعد اختفاء هذه الفجوة مختلفة كثيراً عنها قبل نشوءها لحدوث تشوه وانقطاع في التواصل  بين جيلين ما ترتب على حلول قيم جديدة محل قيم أقدم أشد إلتصاقاً بواقع هذا الشعب. أما عن أسباب هذه الفجوة في مجتمعنا المصري فيكمن في سببن الأول تأخر سن الزواج والثاني هو هجرة العمالة المصرية المؤقت لبعض الدول ولا يعنينا هنا الهجرة الدائمة فهي تخرج صاحبها من المجتمع وتحوله لمجرد سائح.
أما تأخر سن الزواج فهي مشكلة بدأت في مصر منذ نهاية الستينات في القرن الماضي بعد إنسحاب الدولة من كثير من الخدمات وتركيزها في المجهود الحربي لموجهة الخطر القادم عبر الحدود. وقد إنسحبت الدولة من قطاع الاسكان من ضمن ما انسحبت منه الذي أثر بالتالى على توافر وحدات سكنية جديدة تقابل المطلوب منها ما قد أدى لظهور مشكلة توفير سكن لمن يريد الزواج. المشكلة هنا هو أن الفترة التي يقضيها الأطفال مع الأجيال الأقدم أعنى الأجداد تكون أقل ما يجعل تلقى هؤلاء الأطفال للموروثات الثقافية أقل كثيرا مما تلقاه آباؤهم.
أما السبب الثاني والأفدح أثراً وهو الهجرة المؤقته في فترة السبعينات والثمانينيات وبعدها بشكل أقل التسعينيات من القرن الماضي كانت هذه السنين فترة إرتفاع أسعار البترول بعد حرب أكتوبر 1973 تقريباً سافر إلى الخليج كل من إستطاع من المصريين. للأسف كان الإقبال على السفر في البداية إنعكاسا للمشكلة الأولى كمحاولة من الأفراد لتعويض غياب الدولة عن توفير كثير من الخدمات التي كانت أيضا تحتكرها ما أدى لعدم توافرها. سافر المصرييون بعائلاتهم التي تطلب تكوينها أصلاً أن يسافر العزاب أولاً حتى يمكنهم تكويين هذه الأسرة وكان يضحكني كثيرا أن أسمع أن فلاناً تزوج فلانة بأن إختارتها له والدته ثم يوكل والده في العقد ولا يراها الا في المطار هناك بعيدا في الخليج. ليس مجال حديثنا هنا هو تخيل موقف كل منهما عندما يقارن الوصف الذي عنده للطرف الاخر بالصورة الحقيقية أمامه أو عن المفارقات الممكن حدوثها لكنها مأساة عاشها كثير من الجيل السابق لنا. ما يهمنا هنا هو أن أبناء هؤلاء المهاجرون غالبا ما يمضون فترة تكون الشخصية هناك بعيدا في الخليج صورة الأهل في مصر لديهم صورة مشوشة عن أناس يبتسمون كثيرا لا يمضى معهم إلا شهراً في العام على الأكثر. يجب أن نلاحظ أن وسائل الاتصال لم تكن كما هي الآن و تكلفتها كانت مرتفعة. نتيجة لهذا البعد عن العائلة الممتدة يكون معنى الاهل هنا منحصراً على العائلة الصغيرة التى غالبا ما تكون منغلقة عن ما سواها فهم أغراب في بلاد يرونها عدائية. يفقد هنا الأطفال الإنتماء لمجتمعهم الأصلى ويفقدون الكثير من العادات والنقاليد المميزة لهم كمصريين لأنها لم تنقل لهم من الأساس ويبدأون في إكتساب عادات مشوهة كلها عادات إستهلاكية فعندما يحب الأب أن يروح عن أسرته يصحبها إلى أحد المجمعات التجارية ومن ثم يبدأ المرح بشراء كل ما يمكنهم شراؤه حتى تفنى نقود الوالد أو إغلاق المجمع.
تكون العلاقات الانسانية لديهم مجرد علاقات بارده لا تحمل الكثير من الود وحتى من يندمج منهم في مجتمعه الحالي يكتسب عادات جديدة مميزة لهذا المجتمع لا يعنيني هنا مدى جودة هذه العادات لكن المهم هنا أن هذا الطفل باكتسابه عادات مختلفة عن عادات مجتمعه المصري سيصعب عليه في المرحلة القادمة بلا شك العودة والإندماج في مجتمعه الأصلي. الآن وقد عاد الطفل إلى مصر تتعدد الأسباب لكن العودة حتمية سيكون عليه أن يستوعب الكثير مما لم يتعلمه من عادات وتقاليد وأعراف  لكنه لن يفقد أبدا الحنين إلى حياته التى ألفها هناك في الخليج هو يعلم في قرارة نفسه أنه كان قفصاً يعلم  أنه ذهبي لكنه وان لم يزل قفصاً لكن على الأقل يعرف كيف يتعامل معه. يبدأ في الرضوخ للأمر الواقع يحاول تكييف حياته في مصر مع ما ألف يحن للإستهلاك ويمارسه متى إستطاع ينعزل عن أترابه هو الآن يعيش فجوته لديه قيمه لديه عاداته أنشأ شرنقته إن أمكنه الهروب فسيعود للخليج في صورة مهاجر مؤقت وتتكرر مأساته في أطفاله وهكذا تدور العجلة دورة جديدة. ما مضى هو فقط نصف المشكلة أما تداعياتها فلا تحصى فيمكنني تفسير كل مشاكل مصر على ضوء هذا التحليل فمن عاش خارج مصر ولا يربطه بها سوى جواز السفر لا يعلم لماذا يصر والده على الاحتفاظ بارض زراعيه لا يوجد لها عائد ولا يدرك لماذا عليه أن يحترم من هو أكبر منه ولا هو يعرف لماذا عليه أن يرى أن مصر دوله عظيمة مع أنها أفقر من أي دولة في الخليج ولا يعرف تاريخ مصر ولا مقدراتها ويرى أن ما يربطه بها هو الوقت الذي يمضيه حتى يمكنه الحصول على عمل في الخليج. المشكلة الأكبر هنا هو تسرب كثير من عادات العائدين من الخليج إلى المجتمع المصري بحكم كثرتهم العددية من جنون استهلاكي وإستهانه بعادات المجتمع وأعرافه حتى كادت هذه الأمور أن تصبح سمة عامة للمجتمع. طبعا الأمر ليست بهذا السواد فهناك الكثير من هؤلاء من تأقلم وحصل ما فاته وأيضا بعد الثورة نأمل أن تتوفر فرص عمل تغني المصريين عن السفر وتبدأ الفجوة في الإنكماش.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق